عبد القادر الجيلاني
228
السفينة القادرية
تعالى ومعناه المتجاوز كثيرا عن المؤاخذة بالذنب إرشادا وتربية لمن له لمعة نور من أنوار العناية ، فالمصالح العامة والخاصة مترتبة على العفو من اللّه . وقوله وأنت الغفار أي الساتر للعيوب المتجاوز عن العقوبة وهو اسم من أسمائه تعالى وفي بعض النسخ زيادة وأنت الغافر ومادتهما واحدة . وقوله وأنت الحنّان وأنت المنّان هما أيضا من أسمائه تعالى فأما الحنّان ، فمعناه في حق اللّه يرجع إلى معنى الرحمة والوداد والمحبة والعفو والمبالغة في ذلك ظاهرة من لفظه بخلاف حقيقته في حق المخلوق فإنها رقة النفس والميل المفرط في الطبع ، والحيلة سببه شوق تضعف القوة عن حمله ، وهذا الوصف القائم بالعباد ما عند اللّه أتم منه وأكمل حنانا ؛ فقد جاء في الحديث : « إن اللّه تعالى يقول للعبد إذا غلبته نفسه بالمعاودة للذنب المرة بعد المرة ويندم على ما كان منه فيستغفره ثم تغلبه فيعود ، قال : فيقول له الحق في الثانية أو الرابعة يا ويحه يا ويحه لا هو تارك للذنب ولا هو تاركي من الاستغفار عبدي اعمل ما شئت فقد غفرت لك » فعذره عز وجل لضعفه عن مقاومة ما يجده من عدوه الشيطان وعجزه عن الإتيان بما قد سطر له في أم الكتاب فهو بين هذا وهذا قد ضاقت حيله إلّا من استغفار ربه ، وأما اسم المنّان فهو مأخوذ من المن الذي هو الإحسان من غير طلب مثوبة ولذلك سمي ما كان أنزله اللّه على بني إسرائيل من السماء منّا لأنه أنزله عليهم من غير طلب ولا سبب لهم فيه ولا سعي ، بل إنه محض منة من اللّه وفضل ، وقوله وأنا المذنب أي المستحق للعقوبة إذ الذنب يترتب على فعل يستحق فاعله العقوبة عليه كإتيان فعل ورد النهي عنه أو أنكره الشرع ، وقد تقدم أن السلف الصالح وأهل الحقيقة يعدّون من قصر في عمل مندوب أو ترك مكروه أو لم يعمر نفسا من أنفاسه بذكر اللّه عاصيا لقهرهم أنفسهم تحت مشاق العبادة ، والذنب على الإطلاق ينقسم إلى أقسام أعظمها الشرك باللّه ، ثم الكفر بأنواعه . ثم المخالفة بما أمر